8 ربيع الأول 1440 هـ   -  16 نوفمبر 2018 م
Skip Navigation Linksالرئيسة > فتاوى بحثية

التفسير الإشاري

الســؤال

ما التفسير الإشاري؟ وهل يُعدُّ من التفاسير المقبولة للقرآن الكريم؟

الجـــواب

التفسير لغة: مصدر "فسَّر" بتشديد السين الذي هو مضاعف "فَسَرَ" بالتخفيف، من بـابَي "نَصَرَ" و"ضَرَبَ" الذي مصدره "الفَسْر"، وكلاهما فِعْل مُتعدٍّ، فالتضعيف ليس للتعدية.
والفَسْر: الإبانة والكشف لـمدلولِ كلامٍ أو لفظٍ بكلامٍ آخر هو أوضح لمعنى الـمفسَّر عند السامع، ثم قيل: الـمصدران والفعلان متساويان في المعنى، وقيل: يختص الـمضاعف بإبانة الـمعقولات. وقال ثَعْلَب وابن الأعرَابي: التَّفسِيرُ والتَّأويلُ والمعْنَى واحِدٌ. انظر: "تاج العروس" (13/ 323، مادة: ف س ر)، و"التحرير والتنوير" (1/ 10، ط. الدار التونسية للنشر، تونس).
والتفسير في الاصطلاح -كما في "التحرير والتنوير" (1/ 11)-: [هو اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن وما يستفاد منها باختصار أو توسع] اهـ.
ويتنوع التفسير بحسب أنواع مناهج الـمفسرين أنفسهم.
والتفسير الإشاري نوع من تفسير القرآن الكريم ينتمي إلى نـمط مُعَيَّن من الفهم، وهو فهم المعاني التي قد لا تظهر لأوَّلِ وهلة، وإنَّـما تحتاج لِتَدَبُّرٍ وتأمُّل، وهذه المعاني تكون من إشارات الآيات وتظهر لأرباب السلوك وأولي العلم.
وعرَّفه الشيخ الزرقاني في "مناهل العرفان" (2/ 56، ط. عيسى الحلبي) بقوله: [هو تَأْوِيلُ القُرْآن بِغَيْرِ ظاهره، لإِشَارَةٍ خَفِيَّة تَظْهَرُ لأرباب السلوك والتصوف، ويُـمكن الجمع بينها وبين الظَّاهِر الـمُرَاد أَيْضًا] اهـ.
وفي معنى التفسير الإشاري يقول العلامة ابن القيم في "مدارج السالكين" (2/ 389، ط. دار الكتاب العربي): [الإشارات: هي الـمعاني التي تشير إلى الحقيقة مِن بُعد ومن وراء حجاب، وهي تارة تكون من مسموع، وتارة تكون من مرئي، وتارة تكون من معقول، وقد تكون من الحواس كلها.
فالإشارات: من جنس الأدلة والأعلام، وسببها: صفاء يحصل بالجمعية، فيلطف به الحس والذهن فيستيقظ لإدراك أمور لطيفة لا يكشف حس غيره وفهمه عن إدراكها. وسـمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: الصحيح منها: ما يدل عليه اللفظ بإشارته من باب قياس الأولى] اهـ.
وذكر العلماءُ شروطًا لقبول التفسير الإشاري، ومعنى كونه مقبولًا: عدم رفضه، لا وجوب الأخذ به، أمَّا عدم رفضه، فلأنه غير منافٍ للظاهر، ولا بالغ مبلغ التعسف، وليس له ما ينافيه أو يعارضه من الأدلة الشرعية، وأما عدم وجوب الأخذ به؛ فلأنه من قبيل الوجدانيات، والوجدانيات لا تقوم على دليل ولا تستند إلى برهان، وإنما هي أمر يجده الصوفي من نفسه، وسرّ بينه وبين ربه، فله أن يأخذ به ويعمل على مقتضاه، دون أن يلزم به أحدًا من الناس سواه.
وهذه الشروط هي كما في "مناهل العرفان" (2/ 81):
[1- ألَّا يتنافى وما يظهر من معنى النظم الكريم.
2- ألَّا يُدَّعى أنه الـمراد وحده دون الظاهر.
3- ألَّا يكون تأويلًا بعيدًا سَخِيفًا؛ كتفسير بعضهم قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الـمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. بجعل كلمة ﴿لَمَعَ﴾ فِعْلا مَاضِيًا، وكلمة ﴿المحسنين﴾ مفعوله.
4- ألَّا يكون له معارض شرعي أو عقلي.
5- أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.
كذلك اشترطوا، بيد أن هذه الشروط متداخلة، فيمكن الاستغناء بالأول عن الثالث، وبالخامس عن الرابع، ويحسن ملاحظة شرطين بدلـهما:
- أحدهما: بيان الـمعنى الـموضوع له اللفظ الكريم أولًا.
- ثانيهما: ألَّا يكون من وراء هذا التفسير الإشاري تشويش على الـمفسَّرِ له "المتلقّي"] اهـ بتصرف يسير.
أقوال العلماء في التفسير الإشاري:
قال الإمام الغزالي في "إحياء علوم الدين" (1/ 293، وما بعدها): [ما من كلمة من القرآن إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك، وإنـما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم، وصفاء قلوبـهم، وتوفر دواعيهم على التدبر، وتجردهم للطلب، ويكون لكلِّ واحدٍ حَدٌّ في الترقي إلى درجة أعلى منه، فأما الاستيفاء فلا مطمع فيه ولو كان البحر مِدادًا والأشجار أقلامًا، فأسرار كلمات الله لا نـهاية لـها، فتنفد الأبحر قبل أن تنفد كلمات الله عز وجل...، وأسرار ذلك كثيرة، ولا يدل تفسير ظاهر عليه، وليس اللفظ هو مناقضًا لظاهر التفسير، بل هو استكمال له ووصول إلى لبابه عن ظاهره، فهذا ما نورده لفهم الـمعاني الباطنة لا ما يناقض الظاهر. والله أعلم] اهـ.
وقال الشيخ تاج الدين أحمد بن عطاء الله السكندري في كتابه "لطائف الـمنن" (ص: 235-236، ط. دار الكتاب المصري): [اعلم أن تفسير هذه الطائفة لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالـمعاني الغريبة...، ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، ولكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت له الآية ودلَّت عليه في عرف اللسان، وثَمَّ أفهام باطنة تفهم عند الآية والحديث لـمن فتح الله قلبه.
وقد جاء في الحديث: «لكُلّ آيةٍ ظَاهِرٌ وبَاطِنٌ، وحَدٌّ ومَطْلَعٌ»، فلا يصدنك عن تلقي هذه الـمعاني منهم أن يقول لك ذو جدل ومعارضة: هذا إحالة لكلام الله وكلام رسوله، فليس ذلك بإحالة، وإنـما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلا هذا وهم لم يقولوا ذلك، بل يقرون الظواهر على ظواهرها مُرادًا بـها موضوعاتـها ويفهمون عن الله تعالى ما أفهمهم] اهـ.
وللإشارات أنواع ذكرها الإمام الطاهر بن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير" (1/ 35 وما بعدها) حيث قال: [عندي أن هذه الإشارات لا تعدو واحدًا من ثلاثة أنحاء: الأول: ما كان يجري فيه معنى الآية مجرى التمثيل لحال شبيه بذلك الـمعنى؛ كما يقولون مثلًا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيْهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: 114] أنه إشارة للقلوب؛ لأنـها مواضع الخضوع لله تعالى، إذ بـها يعرف، فتسجد له القلوب بفناء النفوس. ومنعها من ذكره هو الحيلولة بينها وبين الـمعارف اللدنية، ﴿وَسَعى فِي خَرابِها﴾ بتكديرها بالتعصبات وغلبة الـهوى، فهذا يشبه ضرب الـمثل لحال مَن لا يزكي نفسَه بالـمعرفة ويـمنع قلبه أن تدخله صفات الكمال الناشئة عنها؛ بحال مانع الـمساجد أن يذكر فيها اسم الله، وذكر الآية عند تلك الحالة كالنطق بلفظ الـمثل...، الثاني: ما كان من نحو التفاؤل، فقد يكون للكلمة معنى يسبق من صورتـها إلى السمع هو غير معناها الـمراد، وذلك من باب انصراف ذهن السامع إلى ما هو الـمهم عنده، والذي يجول في خاطره، وهذا كمن قال في قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة: 255]: "مَن ذَلَّ ذي" -إشارة للنفس- يصير من الـمقربين الشفعاء، فهذا يأخذ صدى موقع الكلام في السمع ويتأوَّله على ما شُغِلَ به قلبه. ورأيت الشيخ محيي الدين يُسمِّي هذا النوع سـماعًا، ولقد أبدع.
الثالث: عِبرٌ ومواعظ، وشأن أهل النفوس اليقظى أن ينتفعوا من كل شيء ويأخذوا الحكمة حيث وجدوها، فما ظنك بـهم إذا قرؤوا القرآن وتدبروه فاتعظوا بـمواعظه، فإذا أخذوا من قوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَونُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [الـمزمل: 16] اقتبسوا أن القلب الذي لم يـمتثل رسول الـمعارف العليا تكون عاقبته وبالًا...، وكل إشارة خرجت عن حدِّ هذه الثلاثة الأحوال إلى ما عداها فهي تقترب إلى قول الباطنية رويدًا رويدًا إلى أن تبلغ عين مقالاتـهم] اهـ.
ومن كتب التفسير التي اهتمت بالتفسير الإشاري: "تفسير النيسابوري"، و"تفسير الألوسي"، و"تفسير التستري"، و"تفسير محيي الدين بن عربي"، وتفسير أبي عبد الرحمن السُّلمي "حقائق التفسير"، و"تفسير أبي القاسم القشيري"، وتفسير أبي محمد الشيرازي "عرائس البيان في حقائق القرآن"، وتفسير ابن عجيبة "البحر الـمديد"، وتفسير إسـماعيل حقي "روح البيان".
وعليه: فإن التفسير الإشاري مقبول بالشروط السابقة المنقولة عن العلماء.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

Feedback
هذه الخدمة تعمل من الساعة التاسعة صباحا، حتي الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، أو بلوغ الحد الأقصى لتلقي الأسئلة، وذلك يوميا ما عد الجمعة والسبت والإجازات الرسمية.