3 صفر 1439 هـ   -  23 اكتوبر 2017 م

الاستغاثة بالأنبياء والصالحين - السفر لزيارة قبور الصالحين - الحلف بغير الله

 انتشرت مجموعة من الشباب الذي يأتي بفتاوى متطرفة لا أصل لها في الفقه السليم المعتدل، وللأسف فإن العديد من الناس البسطاء ينجرفون وراء هذا التيار، رغم أن لدينا خطباء معتدلين في قريتنا لا يوافقون على هذه الفتاوى المتطرفة.
وإيمانًا منا بدوركم المحوري في الدعوة، وحرصكم على أن يكون شباب مصر خيرًا لبلدهم نرجو من سيادتكم الرد على هذه الفتاوى المرفقة بهذا الخطاب حتى يتم تصحيح هذه المفاهيم الخاطئة.
وهذا نص هذه الفتاوى:
السؤال الأول: هل الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين الأموات أو الغائبين كفر أكبر؟
الجواب: الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين الأموات أو الغائبين شرك أكبر يخرج مَن فعل ذلك من ملة الإسلام؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117]، وقوله عز وجل: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ۞ إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: 13-14].
السؤال الثاني: هل تجوز نية السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين مثل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وغيره؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟
الجواب: لا يجوز شد الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم، بل هو بدعة، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى»، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». وأما زيارتهم دون شد رحال فسنة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «زُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» أخرجه مسلم في "صحيحه".
السؤال الثالث: هل يجوز الحلف بغير الله؟ وما حكم من يقول: "والنبي تعمل كذا"؟ وهل يدخل هذا في الحلف بغير الله؟
الجواب: كل ذلك حرام وشرك؛ لأنه لا يجوز الحلف بغير الله؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» متفق عليه، وفي رواية لأبي داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ»، ولما رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ».

الجواب : فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة محمد

 الأصل في الأفعال التي تصدر من المسلم أن تُحمَل على الأوجه التي لا تتعارض مع أصل التوحيد، ولا يجوز المبادرة برميه بالكفر أو الشرك؛ فإن إسلامه قرينة قوية توجب عدم حمل أفعاله على ما يقتضي الكفر، وتلك قاعدة عامة ينبغي على المسلمين تطبيقها في كل الأفعال التي تصدر من إخوانهم المسلمين.
فأما الاستغاثة وطلب المدد من الأنبياء والأولياء والصالحين الأموات أو الغائبين فجائزٌ شرعًا، وهو قول العلماء سلفًا وخلفًا، والأدلة على جواز ذلك من الكتاب والسنة والمعقول، وجواز ذلك محمول على السببية لا على التأثير والخلق، والقول بأن ذلك شرك هو أعظم بدعة ظهرت في الأمة الإسلامية في الأعصر المتأخرة وهي من جنس بدع الخوارج التي يتوصل بها أصحابها إلى تكفير المسلمين والطعن في عقائدهم.
وأما زيارة القبور وشد الرحال فإن العلماء متفقون على أن زيارة القبور مستحبةٌ للرجال، ومستحبةٌ كذلك للنساء عند الحنفية؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآخِرَةَ» رواه مسلمٌ وأحمد واللفظ له.
وإذا كانت زيارةُ القبور مشروعةً فإن شدَّ الرحال من أجلها مستحبٌّ أيضًا، خصوصًا إذا كان الأمر متعلقًا بالأنبياء والصالحين؛ لاتفاق علماء الأصول على أن الوسائل لها حكم المقاصد، فكان القولُ بتحريمه باطلًا لا يُعوَّل عليه.
أما عن الحلف: فإن العلماء متفقون كذلك على أن الحالف بغير الله لا يكون كافرًا حتى يُعَظِّم ما يحلف به من دون الله تعالى، فالكُفْرُ حينئذٍ من جهة هذا التعظيم لا من جهة الحلف نفسه.
والحلف بما هو مُعَظَّم في الشرع؛ كالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام والكعبة لا حرج فيه؛ لأنه لا وجه فيه للمضاهاة، بل هو تعظيمٌ لما عظَّمه الله، وظاهر عموم النهي عن الحلف بغير الله غير مراد قطعًا؛ لإجماع الفقهاء على جواز الحلف بصفاته سبحانه، فهو عموم أريد به الخصوص.
هذا عن الحلف، أما الترجي أو تأكيد الكلام بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بغيره مما لا يُقْصَد به حقيقةُ الحلف فغير داخل في النهي أصلًا، بل هو أمر جائزٌ لا حرج فيه؛ لوروده في كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكلام الصحابة وجريان عادة الناس عليه بما لا يخـالف الشـرع الشـريف، وليس حرامًا ولا شركًا كما يُقال، ولا ينبغي لأحد مهما كان أن يتقول على الله بغير علم، ولا يجوز له أن يتهم إخوانه بالكفر والشـرك فيدخـل بذلك في وعيد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِذَا كَفَّرَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» رواه مسلم.

Feedback